رغم ما أحدثته حرب الإبادة الأخيرة من تغييرات جذرية في الشرق الأوسط، لكنها وفق ‏الاعتراف الإسرائيلي، لا يزال جزء كبير من المشاكل المزمنة التي ميّزت المنطقة في الماضي، ومثلت تحديا ‏للاحتلال، ما زالت قائمة حتى الآن، بل إن بعضها تفاقم. ‏

البروفيسور إيلي فوديه، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية، وعضو اللجنة التنفيذية لمركز "ميتافيم" ‏للنزاعات الإقليمية، ذكر أن "الباحثين والإعلاميين الإسرائيليين يسارعون عادة إلى ربط مصطلح الشرق الأوسط ‏الجديد بأحداث الحروب والثورات وتغيير الأنظمة واتفاقيات السلام، وقد أحدثت عملية طوفان الأقصى، والإبادة التي تلتها تغييرات جذرية، لكنها في المجمل، لم تحلّ بعض مشاكل المنطقة، بل تفاقم بعضها ‏الآخر في وجه دولة الاحتلال".




وأضاف في مقال نشرته القناة 12، وترجمته "عربي21" أن "دولة الاحتلال تعيش في منطقة متغيرة من ‏حيث تكرار الحروب أو التحالفات الإقليمية، وقد انعكست هذه الخصائص في الحرب الأخيرة خلال عامين، ورغم ‏أن المنظور التاريخي لديها منذ السابع من أكتوبر قصير، إلا أنه يمكن الإشارة إلى جملة تغييرات حدثت في ‏الشرق الأوسط من حيث مراكز الصراع القديمة الجديدة نتيجة لتلك الحرب، وساهمت جميعها باستنزاف اللاعبين ‏في المنطقة، وعلى رأسهم دولة الاحتلال، التي سعت لتعزيز مصالحها، وتلبية احتياجات موقعها في المنطقة".‏

محورا المقاومة والاعتدال

وأشار إلى أن "أول هذه التغييرات هي تقسيم معسكرات التحالف في المنطقة، فالانقسام الثنائي بين محور ‏المقاومة بقيادة إيران، ومحور الاعتدال، المكون من مصر والأردن والسعودية، وباقي الدول المطبعة، وتعتبر دولة ‏الاحتلال عضوا فيه، لم يعد يعكس الواقع كثيرا بعد الحرب، لأن الأضرار التي لحقت بإيران ووكلائها: حزب الله، ‏الحوثيين، حماس، أضعفت محورها، ورغم أنه لم يختفِ، لكن تركيا وقطر دخلتا الفضاء الجديد، ووجدتا فرصة ‏لتعزيز موقعهما في المنطقة، خاصة في سوريا وغزة". ‏

وأوضح أن "محور الاعتدال في المقابل لم ينكسر نتيجة الحرب، ورغم أن دولة الاحتلال عانت من ‏عقوبات من نوع أو آخر، لكن التعاون الأمني لم يتضرر، رغم أنه تم من وراء الكواليس، وبذلك عادت تعاني من ‏متلازمة "العشيقة" في علاقاتها مع الدول العربية التي ميزتها في العقود السابقة". ‏

وأضاف أن "التغيير الثاني يتمثل في أن سوريا عادت لمكانها الطبيعي، حيث أدت الحرب الأخيرة ‏لتسريع عملية انهيار نظام الأسد، وخروج الدولة من محور المقاومة، لكنه اليوم عادت لمكانها الطبيعي في النظام ‏الإقليمي، كما أن "مغازلتها" لدولة الاحتلال ليست جديدة تماما، فالأسد الأب والابن، أجريا محادثات معها لكنها ‏لم تؤتِ ثمارها".‏

وأوضح أن "التغيير الثالث يتمثل في الصراع المتجدد من أجل الهيمنة الإقليمية، حيث سعى العديد من ‏القادة السابقين لقيادة العالم العربي، وربما حتى الشرق الأوسط بأكمله، وفشل سعي إيران لفرض هيمنتها الإقليمية، ‏لكن أحداث السابع من أكتوبر، والحرب التالية، أوجدت الظروف المواتية لتركيا وقطر ومصر لتحسين وضعها ‏الإقليمي، خاصة أن قطر استغلت الهجوم الإسرائيلي لترسيخ الالتزام الأمريكي بالدفاع عنها رسميا".‏

دخول تركيا على خط التنافس

وأشار إلى أنه "رغم حجم مصر، وقوة جيشها، ودورها القيادي في غزة، لكن مشاكلها الاقتصادية ‏والديموغرافية تُصعّب عليها القيام بأدوار قيادية، وفي هذه الحالة تحاول تركيا أردوغان دخول هذا الفضاء لتحقيق ‏فكرة قديمة تعرف بالعثمانية الجديدة، وفي هذا السياق، ينبغي النظر للتدخل التركي المتزايد في سوريا وغزة ‏وليبيا، لكن ذاكرة الماضي، والمصالح المتضاربة لمعظم الدول العربية ستجعل من الصعب تحقيق طموحاته، في ‏حين أن حجم السعودية، وقدراتها الاقتصادية، يسمحان لها بالسعي للقيادة الإقليمية". ‏

ورصد الكاتب "التغيير الرابع المتمثل في عودة القضية الفلسطينية لمكانها الطبيعي، رغم أنها لم تختفِ ‏أبدا، لكن اتفاقيات التطبيع حاولت الالتفاف عليها، إلا أن هجوم حماس في السابع من أكتوبر، أعادها لواجهة ‏الساحة الإقليمية والعالمية، ويشكّل الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية، حتى اليوم 157 دولة، صعوبة أمام دولة ‏الاحتلال لإعادة القضية الفلسطينية إلى القمقم".‏

وأضاف أن "التغيير الخامس يتعلق بتزايد تورط الولايات المتحدة في مشاكل المنطقة، بما يتعارض مع ‏وعود الرئيس دونالد ترامب الانتخابية، ويتناقض مع انسحابها من أفغانستان وسوريا والعراق، ولذلك يمكن أن يتم ‏تجديد هذه العملية، وتكثيفها على المدى الطويل، لكن يبدو الآن أن ترامب وقع في حب الدور الجديد لـ "صانع ‏السلام" العالمي، مما يعني تعزيز حلفائه في المنطقة، مثل السعودية وقطر وتركيا، وقد يكون لهذا النمط نتائج غير ‏متوقعة ومتضاربة". ‏

وأكد أن "التغيير السادس يرتبط بموقف دولة الاحتلال المتغير في العلاقات الخارجية أو الداخلية، ‏ويمكن التقدير في هذه الحالة أن الإنجازات العسكرية الإسرائيلية عززت قوة ردعها، لكنها من ناحية أخرى، زادت ‏من قلق دول المنطقة من هيمنتها المفرطة عليها، مما سيؤدي لتعزيز علاقتها مع الولايات المتحدة، أو تعزيز ‏العلاقات داخل الشرق الأوسط، مع العلم أن التعاون الإسرائيلي السري مع الدول العربية المعتدلة لم يتأثر، ويجب ‏الافتراض أن البحث العربي والإسلامي عن التكنولوجيا والمعدات العسكرية الإسرائيلية المتقدمة سيتعزز".‏



وأكد أن "التطور المؤسف من وجهة نظر دولة الاحتلال أن حاجة هذه الدول العربية إليها كجسر إلى ‏الولايات المتحدة، بمساعدة اللوبي اليهودي، قد تضعف، نتيجة تعزيز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ودول ‏المنطقة، ومع ذلك، فإن التقييم بأن تركيا وقطر أصبحتا شريكتين مفضلتين على ترامب يبدو مُتسرّعا".‏

وأشار إلى أن "التغيير السابع يتعلق بالناحية الداخلية في دولة الاحتلال، فيبدو أن الانقسامات السياسية ‏والاجتماعية تعمقت خلال الحرب وبعدها، وقد تندلع على خلفية قانون التجنيد، والدعوة لتشكيل لجنة تحقيق ‏رسمية بإخفاق أكتوبر، ومحاكمة نتنياهو، والانتخابات المقبلة". ‏

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية الإبادة الاحتلال غزة غزة الاحتلال وقف إطلاق النار الإبادة صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة دولة الاحتلال الدول العربیة الشرق الأوسط فی المنطقة

إقرأ أيضاً:

محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

علق دكتور إياس الخطيب، المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية، من دمشق، على تعيين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوم براك مبعوثًا رئاسيًا إلى سوريا والعراق، مؤكدًا أن هذا التعيين يعكس الأجندة الأمريكية في المنطقة.

وقال "الخطيب"، خلال مداخلة عبر الإنترنت مع الإعلامية هند الضاوي، ببرنامج "حديث القاهرة"، عبر شاشة "القاهرة والناس"، إن توم براك يخدم المصالح الأمريكية بقوة، مشيرًا إلى أنه ساهم في زيادة الانقسام داخل سوريا وتقديم مصالح خارجية على حساب مصالح الداخل السوري.

وأضاف: "براك يعبر عن الصورة الحقيقية لأمريكا، التي قامت على الاستيلاء على ثروات الشعوب، ولا يهمها تاريخ المنطقة أو مصالح شعوبها".

وأشار الخطيب إلى أن براك يُعتبر مهندس الشرق الأوسط الجديد في العصر الحالي، موضحًا أن السياسة الأمريكية بشكل عام تركز على تحقيق مصالحها دون قراءة أو مراعاة للتاريخ في المنطقة، مضيفًا: "براك جاء بأجندة واضحة لخدمة مصالح الولايات المتحدة، وأمريكا في سوريا استطاعت إسقاط النظام السابق، واليوم تتجه صوب العراق لإحداث تغييرات جديدة بما يتوافق مع أهدافها".

مقالات مشابهة

  • تركيا: القضية الفلسطينية تمثل مأساة مستمرة ويجب وقف الإبادة بغزة
  • الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • CNN: قطر تحركت مع واشنطن لإلغاء غارات للاحتلال على بيروت
  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • أبو عبيدة: فاتورة الحساب للاحتلال ستبقى مفتوحة حتى يدفعها كاملة
  • أبو عبيدة: مسلسل القتل اليومي لأهلنا بغزة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • وزير خارجية الكويت ونظيره الباكستاني يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية
  • حماس: ادعاءات رفضنا تسليم الحكم بغزة أكاذيب وملادينوف يعيق عمل اللجنة الوطنية