لا تزال أسرار نجاح السياسي الأميركي زهران ممداني، الذي نجح في الوصول إلى مقعد عمدة نيويورك، تتكشف شيئا فشيئا، بعدما اعتقد كثيرون أن ما حققه كان شبه مستحيل. فقد بدأت أعداد مشاهدات واستماع أغاني الراب التي أطلقها في سنواته السابقة بالتصاعد، ليكتشفه جمهور جديد كمغني راب، وكأنه شخص مختلف تماما.

وتبدو تلك الأغاني، بكلماتها وإيقاعاتها واختياراتها الفنية، تفسيرا واضحا لقدرته اللافتة على التأثير من خلف الميكروفون.

فهي تحمل وعيا مبكرا بالحاجة إلى تغيير جذري، وهو الوعي الذي أصبح اليوم جوهر مشروعه السياسي.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2اشتهر بدوره في "محارب الظل".. وفاة الممثل الياباني تاتسويا ناكاداي عن 92 عاماlist 2 of 2عرف النجومية متأخرا وشارك في أعمال عالمية.. وفاة الممثل الإيراني إرشادي عن 78 عاماend of list

وكان ممداني، قبل انتخابه عمدة لمدينة نيويورك، وقبل أن يشغل مقعدا في مجلس الولاية، معروفا في أوساط موسيقى الأندرغراوند باسم "السيد كارداموم"، وهو مغني راب ذكيّ يملك وعيا اجتماعيا، ويمزج بين السخرية والإثارة السياسية في جرعات من التعليقات السياسية والاجتماعية لا تتجاوز 3 دقائق.

ويأتي تحوّل الشاب -الذي يعود إلى أصول هجينة تجمع بين الهند وأوغندا والولايات المتحدة- من الإيقاعات الموسيقية إلى صناديق الاقتراع كما لو كان إعادة ابتكار، لكن بالنسبة لمن تابعوا مسيرته عن قرب، لم ينفصل فنّه أبدا عن نشاطه السياسي، وإنما كان مقدمة تمهيدية للسياسة التي يدافع عنها الآن على أكبر منصة بلدية في أميركا.

أصدر ممداني عام 2017 ألبوما قصيرا بعنوان "كزبرة" (Cilantro)، وهو عمل ساخر يمزج بين الراب والسياسة والهوية الثقافية. من أشهر أغانيه ضمن هذا المشروع أغنية "فيض الكاري" (Curry Flow)، التي نُشرت عبر "يوتيوب"، وتميزت بطابع ساخر ونقدي للصور النمطية عن الثقافة الهندية والجنوب آسيوية في أميركا.

زهران ممداني يتحدث خلال فعالية انتخابية في حي "برونكس" بنيويورك في أغسطس/آب 2025 (رويترز)مدرسة فنية للتعليم السياسي

يشير ممداني مرارا إلى أن موهبته في موسيقى الراب لم تولد بمعزل عن نشأته في أسرة مكونة من مخرجة سينمائية ناجحة ومستقلة وقوية هي الأم ميرا ناير ومن المنظّر السياسي والأستاذ الجامعي، صاحب النزعة الاشتراكية محمود ممداني. وهو ما يعني أن الابن نشأ منغمسا في سرديات المقاومة والتداخل الثقافي بين 3 مجتمعات في كل من الهند وأوغندا والولايات المتحدة بما تحمله من اختلافات وتعقيدات وتناقضات، ومن خلال الموسيقى، وخاصة الهيب هوب، وجد صوته الخاص بين تفاصيل ذلك الزحام الفني والمعرفي والفكري.

إعلان

بصفته "السيد كارداموم"، استخدم ممداني الموسيقى لتشريح كل شيء، من ذكريات سنوات الاستعمار في أفريقيا إلى التحرر. استخدم زهران السخرية والاستعارة لكشف كيف تُشكّل العنصرية والرأسمالية الحياة اليومية. كانت ألحانه مليئة بالإشارات إلى الصدمات التاريخية وفخر المهاجرين بأصولهم، ولكن دائما بلمسة مرحة، إذ دعت أبياته المستمعين إلى الضحك والتفكير والتساؤل.

في أغنيته "Curry Flow"، يقول "أُحرّر ذوقي من الاستعمار، أُصنع نكهة لحربي الطبقية، من كامبالا إلى كوينز، أنا جوهر التوابل." يقدم ممداني أو السيد كارداموم في أغنيته وعيا سياسيا مُبهجا، نابضا بالحياة، ومتجذرا في الثقافة اليومية. هذا النهج نفسه ميّز لاحقا خطاب حملته الانتخابية، وتنظيمه المجتمعي، والآن، أجندته كعمدة.

اختراق ثقافي بالحواديت

عبر سنوات مراهقته وشبابه المبكر، شكل زهران ممداني ملامح أسلوب مختلف لممارسة النشاط الثقافي، ذلك الأسلوب الذي يعتمد بشكل رئيسي على الأداء المسرحي ورواية القصص والمشاركة المباشرة، فيما يشبه استدعاء لتاريخ الحركات الشعبية الناجحة. فلم تكن عروضه الحية حفلات موسيقية فقط، وإنما مساحات تلتقي فيها الهوية الجنوب آسيوية بالسياسة.

كانت الحكايات، وما زالت، هي القاسم المشترك في خطابات وأغاني السياسي الشاب، إنه السرد الذي ورثه عن أم تروي الحكايات عبر الأفلام، وفي "الراب"، روت كلمات أغانيه قصصا نادرا ما كانت محور اهتمام وسائل الإعلام الرئيسية عن أطفال من ذوي البشرة السمراء يتمسكون بهويتهم، ومستأجرين يحاربون جشع ملاك العقارات، ومسلمين يواجهون محاولات محو هويتهم.

وعندما انتقل إلى تنظيم حملات العدالة السكنية في حي "كوينز" بنيويورك، جلب معه أداء الراب، حيث طرق الأبواب كما لو كان يلقي أبياتا شعرية، وكتب منشورات انتخابية بإيقاعات وعبارات مؤثرة، وتواصل مع الناخبين من خلال المشاعر المشتركة بعيدا عن المصطلحات السياسية.

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (يسار) في أحد أغاني الـ"راب" التي قدمها قبل انتخابه (رويترز)ألبوم "راب" لحملة انتخابية

قام ممداني بصياغة بياناته كما يكتب أغانيه، فالإيقاع حاضر تماما، والجمل بسيطة وواضحة، تعكس شعارات حملته، ومنها "السكن حق من حقوق الإنسان"، و"إلغاء الإيجار"، و"فرض ضرائب على الأغنياء لتمويل الشعب"، تلك الجمل التي تبدو فيها قوة أسلوب الراب المختصر، حتى إن أول فيديو لحملته الانتخابية عام 2020 عن خلفيته وقيمه جاء أشبه بأغنية راب، تم تلحينها بشكل بسيط وممتع، وكأن الفيديو ليس إلا بداية لحملة صُممت كألبوم موسيقي شعارها، كل سياسة أغنية، وكل احتجاج أداء.

وجعلته هذه الغريزة الفنية مؤثرا بشكل خاص مع المجتمعات الشابة متعددة اللغات والمهاجرة التي غالبا ما يتم إهمالها من قبل السياسي التقليدي. وكما خاطبت موسيقاه الهويات الهجينة، فعلت سياساته ذلك أيضا، واعترفت بأنه يحق للمواطن النيويوركي أن يكون مسلما، أو أفريقيا، أو جنوب آسيوي، أو من الطبقة العاملة، أو أبيض.

تميزت موسيقى الراب لدى ممداني، دائما، بالسخرية والتهكم، وهو أسلوب يؤدي إلى إفقاد السلطة السياسية هيبتها، سواء في قاعة الجمعية الوطنية أو في مناظرة انتخابية لرئاسة البلدية، وقد أتقن الشاب البالغ من العمر 34 عاما فن الإشارة إلى السخافات دون أن يفقد وقاره وبوصلته الأخلاقية، وهي مهارة صقلتها خشبة المسرح والميكروفون.

إعلان

ولم تكن تلك الموسيقى مجرد أداة بلاغية، بل ساهمت في تشكيل فهم ممداني للتجربة الجماعية. يزدهر الراب، وخاصة أنواعه الفرعية "الأندرغراوند" و"الواعية"، في المساحات المشتركة، كالحفلات الموسيقية، والميكروفونات المفتوحة، والتعاون بين مختلف الطبقات والثقافات. وتتجسد هذه الروح التعاونية في كيفية بناء ممداني للتحالفات السياسية.

ويعكس نهجه في الحملات الانتخابية الممولة من قِبَل صغار المتبرعين، والمدفوعة بالمتطوعين، والمحلية للغاية، أخلاقيات العمل الذاتي في المشهد الموسيقي المستقل. فكما قاوم الفنانون المستقلون احتكار الشركات في صناعة الموسيقى، قاومت حملة ممداني أموال العقارات، وأجهزة الأحزاب، وهيمنة المؤسسات.

في كلا العالمين، الأصالة هي الأساس. ولم يحد ممداني عن ذلك قط. سواء كمغني راب أو كمرشح لمنصب عمدة، كان يتحدث بنفس الأسلوب الساخر، والحماسي، والأصيل.

ربما يكون زهران ممداني قد وضع اسم "السيد كارداموم" في أحد الأرفف المخفية بعد انتخابه، لكن العقلية التي ألهمت موسيقاه لا تزال حية في قاعة المدينة، إلا أن الأسلوب الذي نجح به يصلح تماما للحكم، إذ يمكنه أن يكتب القصة، كمبدع، ومن ثم يحركها الناس، لأن التغيير الثقافي يأتي أولا.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات زهران ممدانی

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • بعد قليل.. محاكمة مدرس بمعهد الموسيقى بتهمة التعدي على طفلة
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • عمدة موسكو: الدفاع الجوي أسقط 11 طائرة مسيرة
  • عمدة موسكو: إسقاط 4 مسيرات أوكرانية
  • نشأت الديهي يهاجم فريد زهران وحمدين صباحي بسبب زياد العليمي
  • هجوم ناري من نشأت الديهي على «حمدين صباحي» و«فريد زهران» بسبب زياد العليمي | فيديو
  • نيويورك تايمز: طائرات حزب الله المسيّرة تُربك الجيش الإسرائيلي
  • رحيل سهام جلال.. 10 محطات صنعت مشوار «وزيرة السعادة»
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • "نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات