المشكلة ليست كيروش
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
أحمد السلماني
hakeem225@hotmail.com
لم يأتِ مدرب مُنتخبنا الوطني الأول لكرة القدم جديدًا في حديثه التلفزيوني مع الإعلامي المُميز أحمد الكعبي. كل ما فعله هو أنَّه تحدث بصوتٍ عالٍ وبنبرةٍ صريحة قد يراها البعض قاسية، لكنها في حقيقتها ليست سوى صدى لما يتداوله الوسط الرياضي منذ سنوات طويلة. وما قاله لم يكن مفاجئًا؛ بل واقعًا نعرفه جميعًا، وهو لا يضع كيروش وحده في دائرة المسؤولية، ولا يمنع في الوقت نفسه تقييم استمرار مسيرته مع المنتخب من عدمه.
ولست هنا بصدد تعداد المعضلات المزمنة التي عاشتها كرة القدم العُمانية وما زالت تعيشها، فهي معروفة وواضحة. فالمؤسسات الرسمية، واتحاد الكرة، والأندية، جميعها تتحمل مسؤولية الإخفاق في التأهل ووضع الكرة العُمانية اليوم، وليس كيروش الذي جاء قبل أربعة أشهر فقط وطُلب منه أن يقود منتخبنا إلى قائمة أفضل 48 منتخبًا في العالم.
الرجل تحدث عن الدوري والمسابقات وثقافة ويوميات اللاعب العُماني، والحقيقة أننا لو امتلكنا ثلاثة عوامل مفقودة، أولها الإرادة الحقيقية للحضور العالمي، وثانيها الإدارة الفاعلة التي تُعتبر أصل مشكلات الكرة العُمانية، وثالثها الاستثمار الصحيح في القاعدة الكروية.
فوضى إدارية تعصف باتحاد الكرة والأندية التي تُهمل الفئات السنية لحساب الفريق الأول، فيما جمدت أندية أخرى أنشطتها لأنها- ببساطة- "تقحص الحصى". أما الفرق الأهلية، فقد سحبت البساط من تحت الأندية رغم محدودية إمكاناتها وعدم حصولها على أي دعم. يضاف إلى ذلك العشوائية في ظاهرة الأكاديميات، وعدم توجيه المال نحو الجوانب الفنية، إذ يذهب أغلبه إلى المصروفات الإدارية والشكليات، سواء في الأندية أو المنتخبات.
وإذا تساءلنا: لماذا فشلت كل منتخباتنا؟ فالجواب واضح؛ لأنَّ العمل لم يكن صحيحًا منذ سنوات طويلة. آخر جيل أسعدنا هو ما يسمى بـ"الجيل الذهبي" مع تحفظي على هذا اللقب، وهو نتاج عملٍ ممنهج بُني على مشروع منتخبات الناشئين في التسعينيات، وخرج منه فريق نافس آسيويًا وحقق أول كأس خليج لعُمان، ثم توقف كل شيء.
اليوم، نحتاج إلى مشروع وطني حقيقي لبناء منتخبات المستقبل يمتد لثماني سنوات على الأقل، بخطة واضحة واستمرارية مضمونة، ليأتي منتخب يتأهل بثقة إلى كأس آسيا وكأس العالم دون المرور بعذاب الملاحق. وعلى كيروش والميمني والعزاني أن يجلسوا لوضع خطة عمل عاجلة للأربع سنوات القادمة تضمن حضورًا ثابتًا لكل منتخباتنا في النهائيات القارية، ريثما يجهز "منتخب المستقبل".
وما التجربة المغربية عنَّا ببعيد!
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..