و"يطل الصباح من وراء القرون"
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
حمد الصبحي
عن ماذا يمكن للمرء أن يكتب اليوم؟ عن زمنٍ مضى ولم يترك خلفه إلا غبار الخطى؟ عن نقد الأمل الذي صرنا نعلّقه كتعويذة، مع أننا نعرف أنه هشّ كقشرة بيضة؟ عن انكسار العمر حين يتشقق مثل فخّارٍ سقط من رفّ الذاكرة؟ أم عن ما تبقّى من العمر نفسه، ذلك الجزء الضئيل الذي يبدو كفتات أيامٍ تقع من يد الزمن فلا يلتقطها؟
لا شيء يمكن قوله أمام هذا الزحف الهائل، زحف العمر وتشظّيه كمرآة انكسرت في يد الحقيقة.
الكتابة، رغم كل ما تدّعيه من قوة، تنكسر هي الأخرى عندما تصطدم بفعل الواقع القاسي. تتراجع إلى الخلف كأنها كلمة مرتعشة في مخزن كبير للكذب، سنوات عمرنا تبدو فجأة كأنها كانت تُباع في أسواق رخيصة، تُفصَّل حسب رغباتنا في غرف الأمل المزينة بالأهازيج، كنّا نحيك حول أنفسنا أزمنة مستهلكة، نضعها في علب محكمة، لا تختلف كثيرًا عن علب السردين، تنتهي صلاحيتها أسرع مما نتخيل.
هذا الصباح استيقظتُ مذعورًا، وكأن العالم تذكّر فجأة قدرته على سحق الإنسان بضغطة زر، فكرة واحدة، مجرد خاطر عابر، كانت كافية لتوقظ كل الخواء داخلي: الراتب لم ينزل.
عندها فهمت أن الإنسان لا يحتاج إلى كارثة كبرى ليسقط في هاويته؛ يكفي تأخّر تحويل شهري صغير ليكشف هشاشته، ليقول له: أنت واقف على خيطٍ رقيق، وكل شيء حولك قابل للانهيار.
تساءلت طويلًا عن أولئك الذين يعيشون هذه اللحظة كل يوم: المعطّلون عن العمل، المسرّحون الذين طُردوا من نظام لا يعترف بوجودهم، الباحثون عن وظيفة كأنهم يبحثون عن معنى لحياتهم لا عن مصدر رزق.
كيف ينهض هؤلاء بلا راتب؟ بأي طاقة؟ بأي عزاء؟ كيف يقنعون أنفسهم أن الغد يستحق الانتظار وأن نهارًا آخر قادر على حملهم؟
اكتشفت يومها أن الراتب ليس ملاذًا، بل خداعٌ رحيم، يربّت على كتفك ليذكّرك بأنك ما تزال داخل اللعبة. وما إن ينقطع حتى تنكشف الحقيقة: العالم لا يدين لك بشيء، والصباح نفسه ليس وعدًا؛ بل سخرية جديدة من القدر.
رمضان يقترب، والناس منشغلون بزينة الأمل، يلمّعون قلوبهم بالأمنيات، يتحدّثون عن العيد القادم كأنه خلاصٌ صغير.
وأنا أرى في كل هذا احتفالًا يحمل مرثية خفية للفقر، كأن البشر يحاولون ستر قلقهم بالأضواء، يخفون عجزهم تحت قماش الفرح.
ما أقسى أن تستيقظ وأنت تعلم أن النهار لم يعد وعدًا بالعيش؛ بل تكرار للعجز نفسه.
إن البطالة ليست غياب العمل؛ بل حضور فراغٍ يجلس في أعماقك، يُحدّق فيك كل صباح ويسألك ذلك السؤال الأبدي الذي لا يريد أحد سماعه:
ما جدوى أن أستيقظ؟
ونتذكر سيوران في نقده للصباح؛ بأنه بداية مأساة جديدة، وكأن "الصباح يطل من وراء القرون".
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكنيست يصوّت لحل نفسه.. إسرائيل تقترب من «انتخابات مبكرة»
صادق الكنيست الإسرائيلي، في جلسة ليلية، بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بحل نفسه، في خطوة سياسية مفاجئة تمهد الطريق نحو انتخابات مبكرة قد تعيد رسم المشهد السياسي في إسرائيل خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة 12، فقد حظي مشروع القانون بتأييد واسع داخل الهيئة العامة للكنيست، حيث صوّت 106 نواب لصالحه من أصل 120، دون تسجيل أي أصوات معارضة، في مؤشر يعكس حجم التوافق السياسي على المضي نحو إنهاء الدورة البرلمانية الحالية.
ووفق موقع “والا” العبري، فإن مشروع القانون يتضمن نطاقًا زمنيًا محتملًا لإجراء الانتخابات المبكرة بين 8 سبتمبر و20 أكتوبر المقبلين، ما يضع إسرائيل أمام مرحلة انتقالية سياسية حساسة خلال الأسابيع القادمة.
وتشير المعطيات إلى أن الخلافات داخل الائتلاف الحكومي حول قانون إعفاء الحريديم من التجنيد كانت أحد أبرز الأسباب التي سرعت من الدفع نحو حل الكنيست، بعد فشل تمرير تشريعات حاسمة كانت مطروحة على جدول أعمال الحكومة.
وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن أحزابًا داخل المشهد السياسي الإسرائيلي تختلف حول توقيت الانتخابات، حيث يدفع حزب شاس الحريدي نحو إجراء الاقتراع في 15 سبتمبر، بينما يفضّل حزب الليكود، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تأجيل الموعد إلى أقصى حد ممكن من عمر الولاية، بهدف استكمال بعض الملفات التشريعية العالقة.
وبحسب الإجراءات التشريعية في إسرائيل، فإن حل الكنيست لا يصبح نافذًا إلا بعد إقراره بثلاث قراءات متتالية، ما يعني أن المشروع سيعود مجددًا إلى لجنة الكنيست قبل التصويت عليه نهائيًا، وتحديد موعد الانتخابات بشكل رسمي.
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من الترقب السياسي داخل إسرائيل، حيث يرى مراقبون أن الدخول في مسار انتخابات مبكرة قد يعيد خلط الأوراق داخل الأحزاب الكبرى، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات السياسية، خاصة في ظل الملفات الداخلية والخلافات المتصاعدة داخل الحكومة الحالية.
ويُتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من الجدل السياسي والتشريعي، مع انتقال إسرائيل فعليًا إلى مرحلة ما قبل الانتخابات، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات داخل الائتلافات الحاكمة، واستمرار تأثير القضايا الداخلية على الاستقرار السياسي.
وحل الكنيست يعني إنهاء الدورة التشريعية الحالية والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهو مسار سياسي متكرر في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة بسبب الخلافات داخل الائتلافات الحكومية.
وغالبًا ما ترتبط هذه الخطوات بملفات داخلية حساسة مثل التجنيد، والميزانية، وتوازن القوى بين الأحزاب الدينية والعلمانية.