كيف حوّل زهران ممداني التعدد اللغوي إلى فعل سياسي فاز بنيويورك؟
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
في فبراير/شباط 2025، أظهر استطلاع لجامعة إيمرسون أن زهران ممداني لا يحظى إلا بـ1% من نوايا التصويت. لقد كان اسمه غريباً على معظم سكان نيويورك، ووجهه غائباً عن الإعلام التقليدي، وحظوظه في سباق تزدحم فيه أسماء لامعة تبدو معدومة.
ولكن في معركته للفوز بمنصب عمدة نيويورك، لم يعتمد ممداني الأساليب التقليدية التي اعتاد عليها السياسيون الأميركيون منذ عقود.
6 لغات استخدمتها حملة ممداني خلاف الإنجليزية وهي العربية والبنغالية والهندية والأوغندية والإسبانية والأردية، وقد تحولت لخطاب سياسي نجح بمهمته في مدينة يشكل المهاجرون فيها أكثر من ثلث سكانها.
وقد حصد ممداني مليونا و16 ألفا و968 صوتاً (50.4% من الإجمالي) متغلباً على أندرو كومو الحاكم السابق لولاية نيويورك والمدعوم بأكثر من 40 مليون دولار من كبار المتبرعين والشركات الكبرى. أما حملة ممداني، التي اعتمدت على أقل من نصف هذا المبلغ الذي جُمع من صغار المتبرعين، فكان سلاحها الحقيقي برنامجا قريبا من فئات نيويورك السكانية لديه القدرة على التحدث مباشرة إلى قلوب الناس بلغاتهم الأم.
فكيف حدثت هذه القفزة الدراماتيكية؟ الإجابة لا تكمن في الإعلانات التلفزيونية الباهظة أو الملصقات الضخمة في ميدان التايمز، بل في مقاطع فيديو قصيرة بدأت تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث فيها شاب في سن 34 بلغات لم تعتد المدينة سماعها في خطاباتها السياسية.
مزيج ثقافات يشبه نيويوركفي أحد مقاطع الفيديو التي حققت ملايين المشاهدات، يظهر ممداني يشرح نظام التصويت بالترتيب التفضيلي باستخدام مثال طبق "ميشتي" وهي حلوى الزبادي البنغالية الشهيرة. وفي مقطع آخر، يتحدث بالأردية عن "تضخم أسعار الأكل الحلال" ضارباً مثالاً بـ"صحن الدجاج فوق الأرز الذي كان يُباع بـ5 دولارات، فأصبح اليوم بـ10 دولارات".
إعلانوفي مقطع ثالث، يناقش بالإسبانية أزمة السكن مع عائلة لاتينية في واشنطن هايتس، وفي رابع يحاور بالبنغالية النائبة شهانا هانيف أول امرأة بنغالية مسلمة تُنتخب لمجلس المدينة.
ولم تكن هذه المقاطع ترجمات لنفس الرسالة فكل فيديو صُمّم ليحمل إشارات ثقافية خاصة بمجتمعه: إشارات إلى أفلام بوليود مع الجاليات الهندية، ومصطلحات دينية إسلامية مع المجتمعات العربية والباكستانية، والحديث عن أوضاع عمال التوصيل مع المهاجرين اللاتينيين. وكان ممداني يفهم أن نيويورك ليست مدينة واحدة، بل عشرات المدن الموازية، لكل منها لغتها وهمومها وطريقتها في فهم العالم، كما تقول الصحفية المقيمة بنيويورك جوانا إنسكو في مقالها بالإنجليزية.
وتشير تقديرات حكومة ولاية نيويورك إلى أن أكثر من 800 لغة تُتحدث في المدينة، وأن حوالي 2.5 مليون نسمة (قرابة ثلث السكان) يواجهون صعوبات في التواصل بالإنجليزية بطلاقة كاملة. ولعقود، ظلّت هذه الملايين على هامش العملية السياسية، لا لأنهم لا يهتمون، بل لأن أحداً لم يتحدث إليهم بطريقة يفهمونها حقاً.
وقد فهم ممداني هذه المعادلة باكراً. ويقول في أحد تصريحاته "معظم الحملات تركز على "الناخبين الدائمين" أولئك الذين شاركوا في الانتخابات التمهيدية الثلاثة الأخيرة. لكن هذا النهج يتجاهل جزءاً كبيراً من مدينتنا. أدركنا أننا نستطيع الوصول إليهم إذا تماهوا مع سياساتنا" لكن هذا التماهي لا يحدث عبر الترجمة الآلية أو المترجمين الفوريين، بل عبر التواصل المباشر الذي يحمل نكهة الثقافة واللغة الأصلية.
ولطالما صاغت أميركا نفسها بأسطورة "بوتقة الانصهار" تلك الفكرة الرومانسية التي تقول إن المهاجرين من كل الثقافات يذوبون في هوية أميركية واحدة، متخلّين عن لغاتهم وتقاليدهم في سبيل الاندماج، لكن حملة ممداني كانت إعلاناً صريحاً بأن هذه الأسطورة لم تعد صالحة، حتى وإن كانت يوماً كذلك.
وفي أحد لقاءاته الإعلامية، قال ممداني بوضوح "أجرينا حملة تهدف إلى الوصول إلى كل سكان نيويورك، سواء كنتُ أجيد لغتهم أو كنتُ أبذل جهداً للتواصل معهم. التحالف الذي ظهر يعكس تنوع هذه الأحياء الخمسة". ولم يطلب من الناس أن يتخلوا عن لغاتهم، بل أكّد لهم أن لغاتهم جزء أساسي من هويتهم الأميركية، وأن الديمقراطية تصبح أعمق حين تتحدث بكل هذه الألسنة.
لكن لم تكن اللغة وحدها سبب النجاح، كما يؤكد مونشي بالقول "المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي كان ممتعاً ومنتجاً بشكل جيد ومشوّقاً، لكن الأهم كان مضمونه. لقد منحَنا موضوعاً للنقاش تجاوز ممداني كشخص أو حملته كحدث، وأيقظ وعياً جماعياً".
وأصبح ممداني، الشاب الأوغندي الهندي المولد، المسلم الديانة، أول مسلم يتولى منصب عمدة نيويورك، وأول أميركي من أصول جنوب آسيوية وأوغندية، وأصغر عمدة في تاريخ المدينة الحديث، وثاني اشتراكي ديمقراطي بعد ديفيد دينكنز، وسابع عمدة مهاجر منذ بدء انتخاب العمد بالتصويت الشعبي عام 1834.
لكن شغفه باللغات يعود لحقبة سابقة من حياته، ففي صيف 2013، وصل زهران ممداني، الشاب الأوغندي الهندي المقيم في أميركا إلى القاهرة بهدف تعلم العربية، وللمصادفة فقد ارتبطت رحلته مع اللغة بتحولات سياسية قاسية، فلقد وصل قبل 11 يوما من اندلاع الاحتجاجات الشعبية الساعية لعزل الرئيس الراحل محمد مرسي.
إعلانيُذكر ممداني أنه درس في برنامج العربية في جامعة ميدلبري. ولقد رشح له أحد الأصدقاء إكمال تعلمه للغة في معهد لغات بالقاهرة، فأخذ بنصيحته، والتحق بدورة مكثفة لمدة 6 أسابيع.
وفي مذكراته المنشورة بعنوان "ملتح في القاهرة" في صحيفة جامعته "بودوين أورينت" يحكي ممداني عن تجربته في اكتشاف كيف أمكنه أن يتعامل بالقاهرة. وكأي أجنبي يريد أن يتعلم العربية، فقد حاول أن يختلط بالناس ويتحدث معهم بما تعلمه، يمشي بين الناس محاولا التقاط طرف حديث من أحدهم بكل شغف، لكنه سرعان ما أدرك أنه أشبه بشخصية شكسبيرية تتجول في لندن في القرن الـ21، كما يصف.
وقد فهم ممداني أن هناك نوعين من اللغة العربية، فيقول "في مصر، كما في أي بلد عربي آخر، يتحدث الناس لهجة محلية من العربية تُعرف بالعامية. وهما لغتان، وإن كانتا مرتبطتين بوضوح، إلا أنهما مختلفتان اختلافا ملحوظا".
وكرجل أسمر، شعره أسود، ويحمل اسم مسلم، استقبله الناس بلا مبالاة وهو يسير في الشارع، فقد كان يشبه أغلبية المصرين، في شكلهم ومظهرهم وملابسهم.
الأمر الذي جعله يشعر أنه وصل إلى مجتمع آخر تميزه الامتيازات، ولكن بلون مختلف، فقد لاحظ ممداني مفهوم "النفوذ الاجتماعي" ولكنه قد تغير لونه، أي أنه لم يعد كما عرفه في الغرب، حيث الامتياز "للرجل الأبيض المسيحي" بل أصبح بلون بشرة واسم يشبهه هو نفسه.
وقد شعر أنه يشبه الأغلبية وليس الأقلية للمرة الأولى، وأنه ينتمي بصريا وثقافيا للمجتمع الذي يحيطه مما سهل عليه الحركة واكتشاف المجتمع من حوله دون أن ينظر له على أنه دخيل أو أجنبي، وسمح له كذلك أن يعيش تجربة جديدة من الانتماء والقبول لم يكن يشعر بها في المجتمع الغربي الذي مثل له تجربة التهميش أو الغربة.
ويتأمل ممداني في مقاله "رمزية اللحية" في المجتمعات، وكيف أنها تظل محمله بصور نمطية وأحكام جاهزة أينما وجدت. ففي الولايات المتحدة قد تثير اتهاما ضمنيا بالإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، خصوصا إذا اجتمعت مع عناصر أخرى مثل "مسلم، بني البشرة". أما بالقاهرة، فلها معنى آخر، فتشير اللحية إلى تصنيف سياسي. ويقول إن بعض الأشخاص ظنوه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، فقط بسبب لحيته.
ويعبر عن دهشته من عالمية الأحكام المسبقة، فبينما كان يحاول أن يتحدى الصورة النمطية الأميركية، وجد نفسه أمام صور نمطية مختلفة ولكن في العالم العربي.
ويصف ممداني تجربته التي عايشها في ميدان التحرير كـ"عالم من النشوة" والجاذبية الجماهيرية، تلك النشوة التي تولدها الحرية المفاجئة حين يتمكن البسطاء من إسماع أصواتهم بعد حالة من التهميش ويقول "أولئك الذين لم يكن لهم رأي يذكر في توجهات المجتمع، منحوا على الفور فرصة التعبير عن آرائهم".
وانتقد في مقاله النفاق السياسي الأميركي والغربي من الربيع العربي، ولم تدم تجربته بالقاهرة طويلا فقد قلق والداه عليه وألحا بعودته لأوغندا، فرحل ثم أصر على العودة في مناسبة أخرى، وربما كانت تلك التجربة غير المكتملة من تعلم العربية بالقاهرة سببا في لهجته العربية العامية التي مزجت مفردات مصرية وشامية معا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات زهران ممدانی
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026