جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@05:51:36 GMT

الاعتذار لا يُنقص الكرامة

تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT

الاعتذار لا يُنقص الكرامة

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في مُجتمعاتٍ كثيرة، يُنظر إلى الاعتذار كعلامة ضعف، بينما هو في حقيقته أرقى مظاهر القوة الإنسانية. فليس الشجاع من لا يخطئ؛ بل من يملك الشجاعة ليعترف بخطئه ويُصلحه قبل أن يتضخم أثره. في عالمٍ يميل إلى تبرير الأخطاء وتزيين الهفوات، يبقى الاعتذار فعلًا نادرًا، لكنه وحده القادر على إعادة التوازن بين القلوب والعقول، وبين الخطأ والضمير.

في بيئة العمل مثلًا، قد يخطئ المسؤول في تقدير موقفٍ أو إصدار قرار، لكنه يفضّل الصمت على أن يقول: «كنت مُخطِئًا»، وكأنَّ الاعتذار ينتقص من مكانته لا يرفعها. وفي العلاقات الاجتماعية، كثيرًا ما نُغلِّب تبرير الذات على شجاعة قول «عذرًا»، حتى تحوّلت المجاملة إلى غطاءٍ للأخطاء، والاسترضاء إلى بديلٍ عن المراجعة. وهكذا يتسع الفارق بين الوعي والسلوك، لأننا لم نتعلّم بعد أن الخطأ ليس عيبًا؛ بل الإصرار عليه هو العيب الحقيقي.

حين يغيب الاعتذار، لا يختفي الخطأ؛ بل يتحوّل إلى جدارٍ صامتٍ بين الناس. فالصمت لا يُصلح الخطأ؛ بل يُضفي عليه شرعيةً خفية تُبرّر استمراره. وفي المؤسسات، يفتح ذلك الباب لإضعاف الثقة وتكرار الهفوات، لأنَّ كل طرفٍ يخشى الاعتراف بموضع التقصير. ومع الوقت، يمتد هذا السلوك إلى الحياة العامة، فيُفقد الاعتذار قيمته حين نمارسه مجاملةً لا قناعة؛ فنعتذر بعباراتٍ باردةٍ لا روح فيها، بينما المطلوب أن يصدر من وعيٍ صادقٍ ورغبةٍ حقيقيةٍ في الإصلاح.

في القيادة، يزداد حضور الاعتذار حين يدرك القائد أن الاعتراف بالخطأ لا يُضعف صورته؛ بل يمنحها صدقًا واحترامًا. فالموظفون لا ينتظرون من رئيسهم الكمال؛ بل العدالة، ولا يثق الناس بالمؤسسات التي لا تُراجع قراراتها أو تُصحّح مسارها. حين يعتذر القائد، فهو لا يتنازل عن مكانته؛ بل يُرسّخها؛ لأنه يُعلّم الآخرين أن المسؤولية لا تُقاس بامتلاك القرار فقط؛ بل بالشجاعة على مراجعته.

الاعتذار في جوهره ليس ضعفًا؛ بل وعيٌ بالنفس واحترامٌ للآخر. إنه لحظة صدقٍ نادرة تكشف نضج الشخصية وقوة المسؤول حين يضع الحقيقة فوق صورته. فالمعتذر لا يخسر مكانته؛ بل يكسب احترام من حوله، لأنه يبرهن أن المنصب أو الدور لا يُغنيه عن إنسانيته. والمجتمعات التي تحتفي بالاعتذار تُصبح أكثر نضجًا وعدلًا، لأنها تدرك أن الخطأ فرصةٌ للتعلّم لا تهمةٌ تُخفى بالمجاملة.

حين يصبح الاعتذار جزءًا من ثقافة المجتمع، تتغيّر اللغة بين الناس، ويغدو الإصلاح أسهل من العتاب. فالقيم الكبرى لا تُفرض بالقوانين؛ بل تُزرع بالتربية والممارسة. والاعتذار أحد تلك القيم التي تُعيد للعلاقات دفئها، وللمؤسسات توازنها، وللوطن صفاءه الأخلاقي. إنها خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها تُحدث أثرًا عميقًا في بناء إنسانٍ صادقٍ مع نفسه، منسجمٍ مع الآخرين، ووفيٍّ لما يؤمن به من قيمٍ ومبادئ.

إنَّ غرس ثقافة الاعتذار يبدأ من البيت والمدرسة، حين نعلِّم أبناءَنا أن الخطأ طبيعي، وأن الاعتراف به فضيلة. فالأمم التي تُربّي أبناءها على الصدق والشفافية، تُنشئ أجيالًا لا تخشى المواجهة ولا تهرب من الإصلاح. وكما يُرمّم الاعتذار الثقة بين الأفراد، فإنه يبني جسورًا من الاحترام بين الأجيال، ويزرع فيهم شجاعة تحمّل المسؤولية دون خوفٍ أو تبرير.

الاعتذار لا يُنقص من كرامة أحد؛ بل يرفعها. إنه إعلانٌ بأن الإنسان أكبر من خطئه، وأن الصدق مع النفس هو أول أبواب الإصلاح. فالمجتمعات لا ترتقي بكثرة الشعارات؛ بل بقدرتها على تصحيح أخطائها بوعيٍ وشجاعة. ومن يملك شجاعة الاعتذار، يملك شجاعة البدء من جديد.

 

 

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • صلاح الدالي: لا أحب الغباء والإصرار على الخطأ يفسد أي علاقة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ملايين تُنفق ومراكز تُهدر.. «شباب الكرامة» خرابة
  • وزير الشباب: الأردن وضع الشباب في قلب مسارات الإصلاح
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • حزب الإصلاح يشارك ببرنامج سيادة القانون والشباب
  • تعرف على الموقف الخاص لملف تقنين أراضى الدولة بدمياط
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش