شيخة الجابري تكتب: هوس الكتابة وهزالة المُنتج
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
في كل معرض للأدب والمعرفة والفكر، يطلع علينا كُتاب وكاتبات جدد جميعهم يكتبون الرواية، أسماء لا نعرفها وأخرى نعرف أنها تمارس أنواعاً أخرى من الكتابة، مثل كتابة القصة القصيرة أو الشعر وغير ذلك، وفجأة تجدهم يطلعون عليك بأعمال هزيلة لا أعرف من الذي يمنحها صك الموافقة على النشر، حقيقة هو أمر يثير الدهشة والتساؤلات حول من يكتب؟، ولماذا؟، وكيف؟، ولمن يوجّه ما يكتب؟، ما الرسالة التي يحملها ككاتب يرى في نفسه المقدرة على مخاطبة الناس؟، وتقديم ما يَكتب لهم، وعلى طاولة انتقادهم، قبولهم أو عدم قبولهم بما يكتب.
هل من الضروري أن يكون الجميع كتّاباً؟، ما الذي يأخذهم نحو هذا البحر الشاسع؟، كيف يجرؤون على الخوض فيه دون طوق نجاة؟، من سوّل لهم بذلك؟، من أسرّ لهم بأنهم كُتابٌ حقيقيون، قادرون على كسر قالب اللغة، وتفتيت الكلمات، وتفجير الوعي؟، قد يقول قائل ماذا دهاكِ؟، ولماذا أنتِ ضد الكُتّاب الجدد؟، وأنا حقيقةً لستُ ضدّ أحد، كما أنني لستُ مع نظرية ليكتب من يكتب ما يشاء، لأن القضية لا تُدار بهذا الشكل، هناك أخلاقيات وقيم تتكئ عليها موهبة وليس مهنة الكتابة.
الذي أعرفه وأنا أشتغل على الكتابة منذ نعومة أظفاري، أنها جهاد واجتهاد، وأنها تحتاج إلى دُربةٍ ووقتٍ وصبرٍ وتقانة، وأنها تجربة مخيفة، وأن الكلمة مسؤولية، والمسؤولية تقتضي أن لا يكون لدينا هذا الزخم من الأعمال التي لو قرأتها لتبرأت من الكثير منها، ذلك لأنها لا تصل إلى مستوى الإبداع الأصيل والحقيقي، هي كلمات يتم رصّها رصّاً، ومحاولات للظهور على حساب الكيف، وقد تلعب التكنولوجيا الحديثة ومواقع الكتابة السهلة دوراً كبيراً فيما نشاهده من فوضى النشر، فمن نُصدّق يا تُرى؟.
أعتقد أن من المهم أن تكون هناك لجنة قراءة للأعمال التي تقدّم للحصول على الموافقات على النشر، تضطلعُ بمهمة المراجعة الدقيقة لتلك الأعمال، والتعامل بحزمٍ مع ما يقدّم إنصافاً للكلمة، وللإبداع، لأن ما يُنشر اليوم يُوثق للغد، والغد يعني تراكماً كمياً وكيفياً للمنتج الإبداعي، ذاك المُنتج الذي تسهر عليه الليالي، وتراجعه ألف مرّة قبل الدفع به للمطابع، وليس الذي تدفعه دفعاً نحو القارئ لتوهمه بأنك كاتب متمرس، ولكنّ الحقيقة غير ذلك.
الكتابة ليست ترفاً، إنها نزف صادق من أعماق النفس، هي مزيج من معارف وخبرات وتجارب، وسنوات من الكدّ والتعب بين الحروف والكلمات، من لم يعبر بهذه الممرات العميقة عليه أن يراجع نفسه قبل أن يذهب في هذا الطريق كي لا يتعثر، فيندم. أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: شيخة الجابري أحوال
إقرأ أيضاً:
بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
في إطارِ كسرِ الحصارِ الظالمِ والغاشمِ الذي يفرضه العدوُّ السعوديُّ على شعبِنا العزيزِ منذُ اثني عشرَ عامًا، وتثبيتًا لمعادلةِ “الحصارُ بالحصار”، نفذتِ القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ عمليةً عسكريةً نوعيةً استهدفت سفينتين نفطيتين سعوديتين خالفتا قرارَ الحظرِ الصادرَ عنِ القواتِ المسلحةِ في البحرِ الأحمر.
يمانيون | علي صومل
تُعدُّ هذه العمليةُ النوعيةُ أولَ ترجمةٍ عمليةٍ لمعادلةِ “الحصارُ بالحصار”، فلها وهجُ البداية، وكلُّ بدايةٍ تكتسبُ حكايةً خاصةً مهما كان حجمُها.
ولم يكن اختيارُ السفنِ النفطيةِ اعتباطًا؛ فالنفطُ هو الشريانُ الاقتصاديُّ الأهمُّ للعدوِّ السعودي، واستهدافُ ناقلاتِه يحملُ رسالةً واضحةً مفادُها أنَّ من يفرضُ الحصارَ على غيرِه لن يبقى بمنأًى عن تبعاتِه، وأنَّ كلفةَ استمرارِ العدوانِ لن تظلَّ أحاديةَ الاتجاه.
وقد جاءت هذه الخطوةُ بعد سجالٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ حادٍّ استمرَّ يومين متواصلين، وكان المضيُّ قدمًا في تنفيذِ التهديد لا يقلُّ أهميةً عن العمليةِ ذاتِها؛ إذ إنَّ مصداقيةَ الردعِ تُبنى على الوفاءِ بالوعيد، لا على إطلاقِه فحسب.
وتمثلُ هذه العمليةُ الردَّ العمليَّ البليغَ على كلِّ بياناتِ النفاقِ والتطبيلِ المنددةِ بفرضِ الحصارِ البحريِّ على العدوِّ السعودي. فكأنَّ صنعاءَ تقولُ لأنظمةِ التطبيعِ والنفاق: كلُّ إداناتِكم تحت أقدامِنا.
كما أنها جاءت بعد تهديداتٍ فارغةٍ أطلقها الأرعنُ الجبانُ ترامب، الذي يوزعُ تهديداتِه يمنةً ويسرةً وفقَ مزاجٍ متقلبٍ كأحوالِ الطقس، وحالةٍ نفسيةٍ مضطربةٍ كأمواجِ البحر.
وما بعدَ هذه العمليةِ ليس كما قبلَها؛ فكما أنَّ بيانَ التهديدِ فتحَ مرحلةً جديدةً، فإنَّ أولَ بياناتِ التنفيذِ كتبَ السطرَ الأولَ في صفحةِ تلك المرحلة. ومن يضعْ نقاطَ الفعلِ على حروفِ القولِ، فإنه يكتبُ عنوانَ المرحلة.
لقد قيل إنَّ الكتابةَ على صفحةِ البحرِ ضربٌ من المستحيل، واليمنُ يكسرُ هذه الأسطورة، ويثبتُ أنَّه لا مستحيلَ أمامَ من يحملُ قلمَ العدالةِ وكلمةَ الحق.
ولم يكتفِ البيانُ بإعلانِ تنفيذِ العملية، بل جددَ تحذيرَه للعدوِّ السعوديِّ من ارتكابِ أيِّ حماقة، وهددَ بالردِّ في عمقِ أراضيه إن هو تجاهلَ التحذير.
وبات العدوُّ السعوديُّ اليوم بين خيارين: التكيفِ مع الحصارِ والتأقلمِ مع نتائجِه المريرة، أو الذهابِ نحو التصعيد، وحينها ستُفتحُ صفحةٌ جديدةٌ ومعادلةٌ جديدةٌ عنوانُها: “التصعيدُ بالتصعيد”.
ويدركُ العدوُّ السعوديُّ أنَّ صنعاءَ لم تُقدمْ على اتخاذِ هذا الخيارِ وتنفيذه إلا بعد الاستعدادِ الكاملِ لكلِّ تداعياتِه.
وإذ تأتي هذه العمليةُ في ظلِّ تعقدِ الوضعِ في مضيقِ هرمز، فإنَّ أيَّ حماقةٍ من العدوِّ السعوديِّ ستُضيِّقُ الخناقَ أكثر، وتُعجِّلُ بانهيارِ هيمنةِ الشرِّ في منطقةِ غربِ آسيا.
وهكذا لم تعد معادلةُ “الحصارُ بالحصار” شعارًا سياسيًّا أو ورقةَ ضغطٍ إعلامية، بل أصبحت واقعًا ميدانيًّا دخل حيِّز التنفيذ. ومنذ هذه اللحظة، لن يكون معيارُ القوةِ ما يُقال في البيانات، بل ما يُترجم على الأرض، وما يُثبت أنَّ الإرادةَ حين تقترنُ بالقدرةِ تُعيدُ رسمَ معادلاتِ الصراع، وتكتبُ عناوينَ المراحلِ الجديدة.