عربي21:
2026-07-24@00:24:32 GMT

‏التكنو ــ فاشية الجديدة... الخوارزميات والسلطوية

تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT

في السنوات الأخيرة، لم تعد التكنولوجيا مجرّد أداة لتسهيل الحياة أو تعزيز الإنتاجية، بل تحوّلت إلى مشروعٍ آيديولوجي يهدّد البنية الأخلاقية والسياسية للعالم المعاصر.

‏تحت شعارات مثل «الذكاء الاصطناعي»، و«التقدّم التقني»، يبرز اليوم تيارٌ جديد من النخبة الرقمية في «سيليكون فالي» - من أمثال بيتر ثيل، وسام ألتمان - يسعى إلى إعادة صياغة العالم وفق منطق السيطرة التقنية المطلقة، فيما يمكن تسميتها التِكنو - فاشية: تحالفٌ بين الرأسمال الرقمي والنزعة السلطوية ضد روح الديمقراطية ومبادئ المواطَنة الحرة وسيادة الشعب.



‏كان الحلم التكنولوجي في بداياته وعداً بالتحرر من البيروقراطية، ومن سلطة المؤسسات القديمة. لكن مع مرور الوقت، تحوّلت وعود «الإنترنت الحر» إلى منظومات مراقبة عابرة للقارات، وأصبحت بمثابة «أخٍ عظيم» بالمعنى الأوريلي، يلاحق تفاصيل البشر وخطواتهم ورغباتهم. تحت ستار الشفافية والانفتاح، بنى عمالقة التكنولوجيا إمبراطوريات تستمد قوتها من البيانات الشخصية للبشر، ومن تحويل المستخدمين إلى «مواد خام رقمية» تُباع وتُشترى في الأسواق الافتراضية.

بهذا، لم تعد التقنية وسيلة، بل أصبحت سلطةً جديدة تنافِس الدولة في قدرتها على التوجيه والسيطرة وصنع الرأي العام، أصبحت عالماً موازياً متفلّتاً من الرقابة والقواعد الضامنة لحماية الأفراد وحياتهم الخاصة.
‏اللافت هو أن هذه النزعة التقنية الجديدة لم تعد تكتفي بتطوير الأدوات، بل بدأت تصوغ فلسفة كاملة للوجود الإنساني. فبيتر ثيل، المموّل المقرّب من اليمين الأميركي، لا يخفي عداءه للديمقراطية، إذ يعدّها «عائقاً أمام الابتكار». وسام ألتمان، رئيس «أوبن آي» ومطوّر «تشات جي بي تي»، يتحدث عن «إدارة عالمية للذكاء الاصطناعي» تقرّر مصير البشر باسم الكفاءة والأمن؛ إدارة لا تشتغل بآليات الحوار والتشاور وصنع التوافق، بل بمنطق سلطة التكنولوجيا وقدرتها على تحقيق «المستحيل» دون تدخل بشري يُذكر.

‏هذه التصوّرات تنقل فكرة الحكم من يد المواطن إلى يد الخوارزمية، ومن فضاء النقاش العام إلى مراكز الحوسبة الفائقة. إنّه بعثٌ جديد لفكرة الصفوة المنقذة التي «تعرف أكثر» مما يعرفه الإنسان العادي؛ صفوة تحكم من وراء الشاشات. إنّها إفلاطونية رقمية بنفَسٍ سلطويّ، وسلطة رمادية تختفي خلف ضخامة البيانات وقوة الخوارزميات.

‏وفي ظل هذا المنطق، يُعاد تشكيل الفرد ذاته. لم يعد الإنسان مواطناً في فضاء سياسي، بل «ملفاً رقمياً» تُقاس قيمته بمؤشرات الإنتاج والاستهلاك. رقمنة الفرد تتعدى ما وصفه ماركوز بـ«الإنسان الأحاديّ» لتجعله مجرّد معادلة رقمية يمكن تشكيلها وفق رغبات مَن يصنعون القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

‏لم يعد الذكاء الاصطناعي يساعدنا فقط على اتخاذ القرار، بل صار هو مَن يحدّد ما هو ممكن، وما هو مسموح به، وما هو مفيد. إنّها سلطة غير مرئية، لكنها أكثر اختراقاً من أي نظام سلطوي سابق: فهي تعرف رغباتنا قبل أن نعبّر عنها، وتوجّه سلوكنا بينما نظنّ أننا نختار بحرية.

‏ما يجمع بين التِكنو - فاشيين ليس فقط احتقارهم للمؤسسات الديمقراطية، بل أيضاً نزعتهم الميتافيزيقية التي ترى في التقنية خلاصاً للبشر، وفي الذكاء الاصطناعي طريقاً لتجاوز الإنسان لنفسه. إنّها صيغة جديدة من الترانس -إنسانية التي تعِد بإنسان «مُحسّن» يتفوق على الضعف والعاطفة والحدود الطبيعية، لكنها في النهاية تُفضي إلى طمس جوهر الإنسان: أي حريته وقدرته على الخطأ والإبداع.

‏بهذا المعنى، تتحول التكنولوجيا من أداة للتمدّن إلى لاهوتٍ جديدٍ بلا روح، يقدّس الكفاءة ويقصي القيم، ويقوّض حتى مفهوم الإنسان بوصفه ذاتاً تفكر وتختار وتتحمّل مسؤولية قراراتها ورغباتها وأفعالها.

‏ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في الهيمنة الفكرية التي ترافقها. بينما يدّعي روّاد «سيليكون فالي» أنهم «يبنون المستقبل»، فهم في الواقع يستعيدون أحلام الطغاة القدماء في صيغة رقمية ناعمة. إنها الاستبداد في شكل ناعم ورقمي لا يقمع الأفراد داخل السجون ومراكز الاعتقال، ولكنه يقيّد تفكيرهم ورغباتهم عبر إغراقهم في عالمٍ افتراضيّ لا نهائي، يجعلهم مجرّد وحدات رقمية «مفيدة» أو «غير مفيدة».

‏هنا تبرز الحاجة إلى رؤية إنسانية توازن بين الابتكار والأخلاق، بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني. فالعالم العربي والإسلامي، الذي عاش قروناً من الحوار بين العقل والإيمان، بين العلم والضمير، قادرٌ اليوم على تقديم نموذج ثالث: تكنولوجيا تخدم الإنسان، ولا تبتلعه. الحداثة ليست في تسليم القرار إلى الآلة، بل في امتلاك الشجاعة الأخلاقية لتُسائلَها. ‏إن ما يلوح في الأفق ليس ثورة تكنولوجية فحسب، بل انقلاب حضاري على مفهوم الإنسان ذاته. وحين تُختزل الحرية في كودٍ برمجي، ويُختزل الوعي في خوارزمية، تصبح الديمقراطية مجرّد «خطأ تقني» ينبغي إصلاحه. عندئذٍ، لن يكون الخطر من الآلات التي تفكر، بل من البشر الذين كفّوا عن التفكير.

الشرق الأوسط

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه التكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخوارزميات التكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخوارزميات قضايا وآراء قضايا وآراء سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة اقتصاد سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول

 

 

 

كشفت وزارة المالية، أمس، عن نتائج أداء مركز الاتصال خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت نجاح دمج حلول الذكاء الاصطناعي في تخطي كافة المستهدفات التشغيلية المعتمدة وتطوير كفاءة الخدمات، حيث تمثلت أبرز الإنجازات في حل 97.11% من المكالمات من المرة الأولى، واختصار سرعة الرد إلى 8 ثوان فقط مع ارتفاع سعادة المتعاملين إلى 95.43%، بفضل التوظيف الأمثل للتقنيات الذكية التي أسهمت مباشرة في تسريع الاستجابة والارتقاء بجودة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية.

وأكد سعادة يونس حاجي الخوري وكيل وزارة المالية، أن هذه النتائج المسجلة تعكس الرؤية الاستباقية للوزارة في ترسيخ ريادتها الرقمية وصياغة مستقبل مبتكر للخدمات المالية الحكومية يتواكب مع التوجهات الإستراتيجية للدولة في تبني الحلول الذكية، حيث تبرز هذه الإنجازات القيمة الحقيقية للاستثمار المدروس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على إحداث تحول جذري في جودة الكفاءة التشغيلية، والارتقاء برضا المتعاملين عبر تقديم خدمات سريعة وموثوقة تفوق توقعاتهم وتختصر الجهد والوقت بشكل ملموس.

وأضاف أن الوزارة ملتزمة بمواصلة تطوير بيئتها التقنية وتحديث خدماتها باستمرار لضمان البناء على هذا التميز المؤسسي المبتكر وتوفير تجربة تفاعلية متكاملة تركز على تمكين العنصر البشري، وتزويده بأحدث الأدوات المساندة لضمان استدامة الأداء العالي، ومواكبة تطلعات المتعاملين بما يدعم تنافسية دولة الإمارات ويسهم في تعزيز مرونة وكفاءة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال.

وأظهرت البيانات التفصيلية أداء استثنائياً في كافة المؤشرات التشغيلية، حيث حقق المركز نسبة 97.11%، في مؤشر حل المكالمات من المرة الأولى متجاوزاً المستهدف البالغ 90%.

وسجل مؤشر مستوى جودة الخدمة نسبة 92.41%، متخطياً المستهدف المحدد بـ 80 %، كما ارتفعت نسبة سعادة المتعاملين لتصل إلى 95.43%، مقارنة بمستهدف 90%، في حين بلغت نسبة المكالمات التي تم الرد عليها خلال 30 ثانية 93.40%، متفوقة على المستهدف البالغ 90%.

وترافق ذلك مع تقليص متوسط سرعة الرد على المكالمات ليكون 8 ثوان فقط وهو أداء أفضل بكثير من المستهدف البالغ 20 ثانية، كما انخفض متوسط زمن المكالمة إلى 4 دقائق و35 ثانية، وهو أقل من المستهدف البالغ 5 دقائق.

وتكللت هذه النتائج بتسجيل نسبة مكالمات مهجورة بلغت 1.88% فقط وهي أقل بكثير من المستهدف البالغ 5%.

ويرجع هذا النجاح وفق الوزارة إلى حزمة متكاملة من البرامج والتطبيقات الذكية المطبقة في المركز، وفي مقدمتها نظام تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يرصد مشاعر المتعاملين من خلال تحليل نبرة الصوت والكلمات المستخدمة في المكالمات.

كما يعتمد النظام على تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل المكالمات إلى نصوص مكتوبة وتقديم ملاحظات وتوجيهات استرشادية للموظفين، بما يسهم في تعزيز جودة الردود ودقتها، هذا إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي للرد على استفسارات المتعاملين بشكل لحظي وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

ويتيح المركز نظام المحادثة مع الملفات، الذي يمكن المتعاملين من استخراج المعلومات والإجابات من المستندات والأدلة الإرشادية بصيغة “بي دي إف” عبر المحادثة المباشرة مع الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع المساعد الافتراضي لتقديم دعم مستمر وفوري للمتعاملين مع الاعتماد على شاشات العرض الذكية “تابلو” التي توفر لوحات قياس تفاعلية تتيح المتابعة اللحظية لحالة الطلبات ومراقبة الأداء واتخاذ القرارات الفورية جنباً إلى جنب مع نظام “تلبية” المخصص لاستقبال وتلبية طلبات المتعاملين بكفاءة متناهية. وام


مقالات مشابهة

  • ماذا لو فشل برشلونة في ضم ألفاريز؟.. الذكاء الاصطناعي يحدد 5 بدائل
  • وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول
  • الذكاء الاصطناعي يقود "نوكيا" إلى أرباح تفوق التوقعات
  • هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • عجمان تدشن أول معاملة حكومية بلا واجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تطلق بالشراكة مع مايكروسوفت مرحلة جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالها
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي