ثروات اليمن المنهوبة تمول اقتصاد المشيخة بتواطؤ عملاء الاحتلال

في الوقت الذي يعيش فيه اليمنيون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تسبب بها عدوان غاشم طيلة عقد من الزمن ولا يزال، ومعه تفتح جبهة أخرى لا تقل خطراً عن الحرب والسلاح؛ إنها جبهة النهب الاقتصادي الممنهج الذي تمارسه أبوظبي في المناطق المحتلة الخاضعة لسيطرتها جنوب وشرق البلاد، تحت غطاء المشاريع الإنسانية تارة، ومحاربة الإرهاب تارة أخرى.

لكن خلف الشعارات اللامعة، تدار واحدة من أكبر عمليات السطو على ثروات اليمن الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب والمعادن النادرة.

الثورة/ مصطفى المنتصر

من المفترض أن تكون جبال حضرموت ووديان أبين ومناجم الذهب في تينك المحافظتين اليمنيتين كنوزاً تخرج اليمن من أزمته، لكنها اليوم تحولت إلى مسرح لعمليات استنزاف ونهب منظم يقودها الاحتلال الإماراتي بأذرع ومليشيات عسكرية محلية تحت لافتة «التحالف».

خبراء في الجيولوجيا والاقتصاد يؤكدون أن المناطق الخاضعة للنفوذ الإماراتي تحتضن بعضاً من أغنى مكامن الذهب في الجزيرة العربية، منها مواقع تصل فيها نسبة الذهب إلى 35 جراماً في الطن الواحد، وهي نسبة تصنف عالمياً كـ»كنز استثنائي». وهذه الحقيقة وحدها كافية لتفسير سبب احتدام الصراعات المصطنعة في أبين وشبوة وحضرموت، حيث يستخدم القتال كغطاء للنهب.

أبين.. الذهب تحت النار

في محافظة أبين، وتحديداً في نطاق سد حسان، تدور معارك متقطعة بين مليشيات «الانتقالي الجنوبي» المدعومة إماراتياً وتنظيمات متطرفة، غير أن مصادر ميدانية تؤكد أن تلك الاشتباكات ليست سوى ستار دخان يخفي نشاطاً محموماً لاستخراج ونقل الذهب من مواقع محظورة الدخول إليها.

“المعركة هنا ليست بين الانتقالي والقاعدة، بل بين الحقيقة والتعتيم”، حيث يقول أحد أبناء المنطقة. “كلما اقترب أحد من موقع التعدين، تغلق الطرق بحجة الأمن” بهذه الطريقة، تدار حرب صامتة لا تسمع فيها أصوات الرصاص بقدر ما يسمع صدى الحفارات، في حين يمنع الإعلام والمواطنون من الاقتراب، وتختطف السيادة الوطنية باسم مكافحة الإرهاب.

حضرموت.. الذهب الأصفر والذهب الأبيض

في الشرق، تتكرر القصة ذاتها وبذات الأدوات والتشكيلات، ففي حضرموت، حيث النفوذ الإماراتي الأوسع، تتواصل عمليات النقل والتصدير غير المعلن للذهب الخام، بحسب ما كشفت عنه تقارير إعلامية سابقة والتي أشارت إلى أن سبعة مناجم في وادي مدن وحده تنتج ما يقدر بـ 114 طناً سنوياً من الذهب المنهوب، دون أن تسجل أي إيرادات لصالح اليمن.

وفي نوفمبر الجاري، أعلنت هيئة المساحة الجيولوجية اكتشاف معدن الإسكانديوم النادر المعروف بـ»الذهب الأبيض» في بروم ميفع وحجر، وهو عنصر يستخدم في الصناعات الفضائية والعسكرية، ومع هذا الاكتشاف، تصاعدت المخاوف من تكرار سيناريو النهب ذاته، حيث أطلقت مصادر محلية تحذيرات من “تحركات مشبوهة” لشركات مرتبطة بالإمارات في مناطق الاكتشاف الجديدة.

النهب كعقيدة سياسية

ما يجري في اليمن ليس حالة منفصلة، بل جزء من عقيدة إماراتية ومشروع نهب واستنزاف مترامي الأطراف تقوم على استثمار الفوضى ونهب الموارد للعديد من الدول العربية والإسلامية والأفريقية، ففي السودان، مثلاً، كشفت تقارير أممية أن ما يصل إلى 80% من الذهب السوداني يهرب إلى الإمارات، وأن عائداته تستخدم لتمويل الصراعات المسلحة هناك.

المشهد نفسه يتكرر في اليمن؛ الصراعات الموجهة تدار في مناطق غنية بالذهب، والتمويل يأتي من نفس الجهة التي تشتري الذهب المهرب وتعيد تصديره من دبي تحت غطاء التجارة الحرة، فبهذا السلوك الإجرامي، تصبح الإمارات تاجر الحرب ووسيط الثروة في آن واحد وبذات الأدوات التي تنسق فيما بينها من أجل خدمة المشاريع والأهداف الخارجية التي تمول المليشيات بالمال والسلاح، ثم تستحوذ على ما تبقى من موارد البلاد.

شعب جائع ووطن ينهب

في مقابل هذه الثروات المنهوبة، يعيش ملايين اليمنيين على حافة الجوع في الوقت الذي تنهب فيه ثرواتهم على مرأى ومسمع ممن يتحكمون بشؤون البلاد والمكلفين من الدول التي تتولى عملية النهب والعبث والتدمير بمقدرات الوطن، فالذهب الذي كان يمكن أن يبني المدارس ويشغل المصانع ويغذي ملايين الجياع، يستخدم اليوم لتمويل صفقات السلاح والمليشيات وينمي اقتصاد دول ليس لها أي حق في هذه الثروات سوى أنها مشيخة تتعيش على موارد غيرها من الشعوب المنهكة.

الصمت الدولي والتواطؤ

ورغم حجم الأدلة والمخاطر، يظل المجتمع الدولي صامتاً أمام ما يمكن وصفه بـ»الاستعمار الاقتصادي الحديث»، فبينما تنفق الإمارات الملايين على حملات العلاقات العامة لتجميل صورتها كـ»داعم للاستقرار»، فإنها في الواقع تؤسس لاقتصاد ظل يعتمد على نهب ثروات الشعوب المضطهدة في اليمن والسودان وأفريقيا.

تحقيقات سويسرية وأممية سابقة أكدت أن دبي أصبحت مركزاً عالمياً لتجارة «ذهب الدم»، أي الذهب القادم من مناطق النزاعات، وهو ما يجعل من الصعب إنكار دورها في المنظومة التي تمول الفوضى.

حرب بلا بنادق

إن ما يجري في اليمن اليوم ليس حرباً من أجل ما يسمى الشرعية ولا الانفصال، بل حرب ذهب تدار بأدوات ومليشيات محلية وبتوجيه خارجي، تسعى لتكريس نفسها واليا على ثروات ومقدرات اليمن وبات الدم اليمني الغطاء الأمثل لتهريب الذهب، والفوضى هي الجدار الذي يخفى وراءه احتلال ونهب صامت، وما لم يكسر هذا الصمت وتستعاد السيادة على كل شبر من تراب هذا الوطن، فإن اليمن سيترك فقيراً فوق أرض غنية، يمتلك الذهب ولا يملك حق الحياة.

 

المصدر

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: فی الیمن

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • تاس: استئناف المفاوضات مع أوكرانيا مرتبط بنهاية الصراع حول إيران
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • "حفرة جهنم".. دراما مشوقة تكشف الوجه الخفي للعشوائيات
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • ارتفاع سعر الذهب في الإمارات اليوم الثلاثاء
  • مؤسسة شباب أبين ترفع كفاءة كوادرها عبر ورشة متخصصة في الإدارة والانضباط الوظيفي
  • مدير عام اتصالات أبين يتفقد مركز اتصالات مودية عقب إجازة عيد الأضحى
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟